أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

525

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالقطع ، و « نَكالًا » مفعول من أجله أيضا ، العامل فيه « جَزاءً » والنكال علة للجزاء ، فتكون العلة معللة بشيء آخر فتكون كالحال المتداخلة ، كما تقول : « ضربته تأديبا له إحسانا إليه » فالتأديب علة للضرب والإحسان علة للتأديب ، وكلام الزمخشري والزجاج قبله لا ينافي ما ذكرته ، فإنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما « جَزاءً » مفعول من أجله ، وكذلك « نَكالًا » فتأمّله ، فإنه وجه حسن ، فطاح الاعتراض على الزمخشري والزجاج ، والتفصيل المذكور في قوله : « إلا إذا كان الجزاء هو النكال » . ثم ظفرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن ينصب مفعولا له آخر يكون علة فيه ، وذلك أنّ المعربين أجازوا في قوله تعالى : أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً « 1 » أن يكون « بغيا » مفعولا له ، ثم ذكروا قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ أنه مفعول له ناصبه « بَغْياً » فهو علة له ، صرّحوا بذلك فظهر ما قلت . و « بِما » متعلق ب « جَزاءً » ، و « ما » يجوز أن تكون مصدرية أي : بكسبهما ، وأن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط أي : بالذي كسباه ، والباء سببية . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 39 إلى 44 ] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 ) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 41 ) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ : متعلق ب « تابَ » و « ظلم » مصدر مضاف إلى فاعله أي : من بعد أن ظلم غيره بأخذ ماله ، وهذا واضح ، وأجاز بعضهم أن يكون مضافا للمفعول أي : من بعد أن ظلم نفسه ، وفي جواز هذا نظر ،

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 90 ) .